المقريزي
136
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
العالم يركب أرضها ماء النيل ، وينبسط على بلاد الصعيد إلى أسفل الأرض وموضع الفسطاط في وقتنا هذا ، وكان بدء ذلك من موضع يعرف : بالجنادل بين أسوان والنوبة إلى أن عرض لذلك موانع من انتقال الماء ، وجريانه وما يتصل من النوبة بتياره من موضع إلى موضع ، فنضب الماء عن بعض المواضع من بلاد مصر ، وسكن الناس بلاد مصر ، ولم يزل الماء ينضب عن أرضها قليلا قليلا حتى امتلأت أرض مصر من المدن والعمائر ، وطرّقوا للماء ، وحفروا له الخلجان ، وعقدوا في وجهه المسببات إلى أن خفي ذلك على ساكنيها لأنّ طول الزمان ذهب بمعرفة أوّل سكناهم كيف كان انتهى . قلت : ومما ذكر أرسطاطاليس في كتاب الآثار العلوية : أن أرض مصر كان النيل ينبسط عليها ، فيطبقها كأنها بحر ، ولم يزل الماء ينضب عنها ، وييبس ما علا منها أوّلا فأوّلا ، ويسكن إلى أن امتلأت بالمدن والقرى والناس . ويقال : إن الناس كانوا قبل سكنى مدينة منف يسكنون بسفح الجبل المقطم في منازل كثيرة نقروها ، وهي المغاير التي في الجبل المقابل لمنف من قبليّ المقطم في الجبل المتصل بدير القصير الذي يعرف : بدير البغل المطل على ناحية طري ، ومن وقف عند أهرام نهيار ، أي المغائر في الشرقي ، وبينهما النيل ، ومن صعد من طرا إلى الجبل وسار فيه دخلها وهي : مغاير متسعة ، وفيها مغائر تنفذ إلى القلزم تسع المغارة منها أهل مدينة ، وإذا دخلها أحد ، ولم يهتد على ما يدله على المخرج هلك في تحيره ، ويقال : كانت مصر جرداء لا نبات بها فأقطعها متوشلح بن أخنوخ بن يازد بن مهلاييل بن فتيان بن أنوس بن شيث بن آدم لطائفة من أولاده ، فلما نزلوها وجدوا نيلها قد سدّ ما بين الجبلين فنضب الماء عن أرض زروعها ، فأخرجت الأرض بركاتها ، ثم بعد زمان أخذها عنقام الأوّل بن عرياب بن آدم بالغلبة ، ونسل بها خلقا عظيما ، وجهز لقتال أولاد يزد سبعين ألف مقاتل ، وحفر من البحر إلى الجبل نهرا عرضه أربعون قصبة ليمنع من يأتيه ، فأتاه بنو يزد ، فلم يجدوا إليه سبيلا ففزعوا إلى اللّه تعالى فبعث على أرض مصر نارا . ذكر أعمال الديار المصرية وكورها اعلم أن أرض مصر كانت في الزمن الأوّل الغابر مائة وثلاثا وخمسين كورة « 1 » ، في كل كورة مدينة وثلاثمائة وخمس وستون كورة ، فلما عمرت أرض مصر بعد بخت نصر ، صارت على خمس وثمانين كورة ، ثم تناقصت حتى جاء الإسلام ، وفيها أربعون عامرة بجميع قراها لا تنقص شيئا ، ثم استقرّت أرض مصرها كلها في الجملة على قسمين : الوجه القبلي : وهو ما كان في جهة الجنوب من مدينة مصر ؛ والوجه البحري : وهو ما كان في شمال مدينة مصر .
--> ( 1 ) الكورة ، بالضم : المدينة والصقع ج . كور .